الشيخ محمد رشيد رضا
215
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نزلت هذه الآية في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من سياق الحكم والاحكام المتعلقة بغزوة أحد . ولكن أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن قوله تعالى وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قد نزل في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس : لعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذها . وقد ضعف هذه الرواية بعض المفسرين وإن حسنها الترمذي لأن السياق كله في واقعة أحد ورجحوا عليها ما روى عن الكلبي ومقاتل من أن الرماة قالوا حين تركوا المركز الذي وضعهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيه : نخشى أن يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « من أخذ شيئا فهو له » وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أظننتم أننا نغل ولا نقسم لكم ؟ » ولهذا نزلت لآية . وروى ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير مرسلا عن الضحاك قال « بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طلائع فغنيم صلّى اللّه عليه وسلّم غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع ، فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يقسم لنا فأنزل اللّه تعالى الآية » قال الأستاذ الامام : الصواب أن هذه الآية من متعلقات هذه الواقعة كالآيات التي قبلها وكثير مما يأتي بعدها . وأصل الغل الأخذ بخفية كالسرقة وغلب في السرقة من الغنيمة قبل القسمة وتسمى غلولا . قال الرماني وغيره : أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر ، وسميت الخيانة غلولا لأنها تجرى في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل . ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشعار . أقول : وتغلغل في الشئ دخل فيه واختفى في باطنه . والمعنى : ما كان شأن نبي من الأنبياء ولا من سيرته أن يغل لأن اللّه عصم أنبياءه من الغل والغلول فهو لا يقع منهم . وهذا التعبير أحسن من قولهم : ما صح ولا استقام لنبي أن يغل أي يخون في المغنم تقدم بيان ما يفيده هذا التعبير من نفى الشأن الذي هو أبلغ من نفى الفعل لأنه عبارة عن دعوى بدليل ، كأنه يقول هنا إن النبي لا يمكن أن يقع منه ذلك لأنه ليس من شأن الأنبياء ولا مما يقع منهم أو يجوز عليهم . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب « أن يغلّ » بالبناء للمفعول وهو من اغللته بمعنى وجدته